دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين (3-3)

دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين (3-3)
الثلاثاء ٠٢ يوليو ٢٠٢٤ - ١١:٠٥ ص
9

 دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين (3-3)


[القِسْمُ الثَّانِي]: بَعْضُ الشُّبَهِ الوَارِدَةِ عَلَى السُنَّةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَرَدِّهَا رَدًّا عِلْمِيًّا صَحِيحًا:

بدأ أبو شهبة القسم الثاني بسؤال وهو: [1] هَلْ أَدْخَلَ مُسْلِمَةُ أَهْلِ الكِتَابِ أَقْوَالاً مِنَ الإِنْجِيلِ عَلَى أَنَّهَا أَحَادِيثَ؟

 لكي يرد علي الأستاذ أحمد أمين صاحب كتاب "ضحي الإسلام" الذي تأثر بالمستشرق " جولدتسيهر " حيث أنكروا عدة أحاديث وعلتهم أنها موافقة لبعض جمل في الإنجيل والتوراة من هذه الأحاديث «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» وحديث «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا»

فرَد عَلَيْهِ أبو شهبة ما ملخصه بأن علماء الإسلام ونقاده بينوا الإسرائيليات من غيرها وذلك قبل أن يوجد " جولدتسيهر " ومتابعوه ببضعة قرون، والناظر في علوم الحديث ومصطلحه وفي «علم الرجال»، وفي " شروح الأحاديث " يعلم ذلك، والناظر في القرآن الكريم الذي لا شك في تواتره، وصونه عن أي تحريف أنه قد توافق مع التوراة والإنجيل في بعض التشريعات، والأخلاقيات والقصص، فهل معنى هذا أنه مأخوذ منها؟ وضرب لذلك أمثلة، وإذا كان الأمر كذلك فقد انهار الأساس الذي عليه بنى " جولدتسيهر " ومتابعوه رأيهم

ثم ذكر أبو شهبة الأحاديث الذي ذكرها " جولدتسيهر " للتمثيل لفكرته. وبين صحتها ومنزلتها

[2] [رَمْيُهُمْ لِلْمُحَدِّثَينَ وَالطَّعْنِ بِالجُبْنِ وَالخَوْفِ]:


وهذه الشبهة الثانية لبعض المستشرقين حيث جعلوا الإمام "أحمد " تتجلى فيه الشجاعة وعدم الخوف من العباسيين بذكر أحاديث في مناقب بني أمية، وكان على العكس من ذلك البخاري ومسلم فإنهما لم يذكراها مداراة للعباسيين،

فرَد أبو شهبة عَلَى هَذِهِ الشُبْهَةِ: بأن الغرض منها هو الطعن في أئمة الحديث بالجبن والخوف، وأنهم كانوا يستميلون الحكام، ويطلبون رضاهم بوضع الأحاديث في فضائلهم ومثالب أعدائهم وبالتالي التشكيك في كتب الأحاديث من صحاح، وسنن ومسانيد.

[3] [قَوْلُهُمْ إِنَّ المُحَدِّثِينَ لَمْ يَتَوَسَّعُوا فِي نَقْدِ المَتْنِ]:


الشبهة الثالثة التي ذكرها صاحب كتاب " ضحى الإسلام " وضرب لذلك مثال بحديث «الكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، ...."

فرَد أبو شهبة عَلَى هَذِهِ الشُبْهَةِ: إن هذا الحديث صحيح روي في أصح كتب الحديث وأوثقها، ونقل كلام الأطباء في ذلك وتوجيهاتهم.

[4] دَعْوَاهُمْ أَنَّ المُحَدِّثِينَ لَمْ يَتَعَرَّضُوا كَثِيرًا لِبَحْثِ الأَسْبَابِ السِّيَاسِيَّةِ التِي قَدْ تَحْمِلُ عَلَى الوَضْعِ فِي الحَدِيثِ النَّبَوِي الشَّريفِ: التي تدعم الدولة الأموية أو العباسية، ولم يدرسوا الحالة النفسية والشخصية للراوي.

فرَد أبو شهبة عَلَى هَذِهِ الشُبْهَةِ: بأن أئمة الحديث نقدوا الروايات نقدًا صحيحًا، وبينوا الصحيح من غير الصحيح،

وقد جعلوا من قواعدهم: عدم قبول رواية أهل الأهواء والمبتدعة من الطوائف المنتسبة إلى الإسلام ومنهم من فصل بين الداعية وغيره، وأن صحابة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما كانوا يعرفون المداهنة، ولا المراوغة، ولا يخافون في الحق لومة لائم، فلا يظن بهم أنهم يكذبون علي النبي صلي الله عليه وسلم ليتقربوا لبني أمية أو العباسيين.

 أما مسألة الحالة النفسية للراوي فالمقصود بها مسألة العمل بخبر الواحد إذا كان الراوي قد عمل بخلاف مقتضى الحديث، وذكر أبو شهبة مذاهب الأئمة الأربعة في ذلك ورأي علماء الحديث

[5] تَشْكِيكُ المُسْتَشْرِقِينَ بِأَنَّ الأَحَادِيثَ الدَالَّةَ عَلَى الزَّكَاةِ وَأَنْصِبَتِهَا تُنَاقِضُ الحَقَائِقَ التَّارِيخِيَّةَ:
هذه الشبهة من كتاب " نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي " مؤلفه هو الأستاذ الدكتور علي حسن عبد القادر، كان أستاذًا وعميدًا لكلية الشريعة - بجامعة الأزهر.

وشبهته أن الأَحَادِيثَ الدَالَّةَ عَلَى الزَّكَاةِ وَأَنْصِبَتِهَا تُنَاقِضُ الحَقَائِقَ التَّارِيخِيَّةَ، ودليله أن الله قد أمر بالزكاة في كتابه الكريم، وجعلها فريضة على كل مسلم، والمعروف تاريخيًا أن الصحابة كانوا يزكون كل على حسب طاقته ولم يكن هناك أمر مضبوط، وقد فرضها القرآن من غير تحديد، أما تفصيل أنواع الزكاة ومقدارها كتب به أبو بكر إلى عماله وفي بعض الروايات أن الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد كتب ذلك ولم يخرجه إلى عماله حتى توفي، فأخرجه أبو بكر من بعده فعمل به حتى توفي. فلا يوجد دليل علي مقادير الزكاة وأنواعها.

فرَد أبو شهبة عَلَى هَذِهِ الشُبْهَةِ: ما ملخصه نعم صح أن كلاً كان يزكي على حسب طاقته فقد كان ذلك في أول الأمر ثم لم يلبث الأمر إلا قليلا ثم فصل في القرآن مصارف الزكاة، وفصل كل ما يتعلق بالزكاة في السنن والأحاديث الصحيحة والحسنة المتكاثرة التي لا يحصيها العد، فَالسُنَّةُ هي الأصل الثاني من أصول التشريع، وهي التي فسرت القرآن، والتحقيق العلمي، والتاريخي دلت علي أن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب به إلى عماله، وزود به كل من كان يرسلهم من عماله لجمع الزكاة وعلمهم إياه مشافهة، وبقيت هذه الصحف المدون فيها الزكاة وأنصبتها لتكون ثبتًا أصليًا موثوقًا به، يرجع إليه، ولا سيما بعد وفاة الرسول، واستناده في التشكيك، وإنكار الروايات إلى أن القرآن فرضها من غير تحديد أمر من الغرابة بمكان!! وقد وكل الله تعالى إلى رسوله محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ببيان القرآن قال عَزَّ شَأْنُهُ {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}

[6] دَعْوَاهُمْ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ اتَّجَهَ إِلَى تَقْلِيلِ رِوَايَةَ الحَدِيثِ وَالرُّجُوعِ إِلَى القُرْآنِ وَحْدَهُ:

وهذه شبهة صاحب كتاب " نظرة عامة في الفقه الإسلامي " وهي أن عمر اتجه إلى تقليل رواية الحديث والرجوع إلى القرآن وحده، لأن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب، فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها،

وروي عنه أنه حبس ثلاثة من الصحابة لأنهم أكثروا من الحديث عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَرد أحاديث لم تتفق ورأيه

فرَد أبو شهبة عَلَى هَذِهِ الشُبْهَةِ: أن هذا الافتراء غير مُسَلَّمٍ، وما كان عمر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - يمنع الناس من رواية الحديث ولكنه كان يدعو إلى التثبت في الرواية، وذكر روايات تدل على أن الفاروق عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ما كان يدعو إلى تقليل رواية الحديث والرجوع إلى القرآن وحده، بل قد ثبت عنه في أقضيته أنه كان يلجأ إلى السنن والأحاديث كما فعل في الوباء لما وقع ببلاد الشام، وأما رواية حبس الفاروق عمر لثلاثة من الصحابة فهي مكذوبة،

ثم نقل أبو شهبة عدة شبهات لصاحب كتاب " نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي " تحت عنوان «وضع الحديث، وأقوال المستشرقين في ذلك»، منها: أن الحديث ليس إلا نتيجة للتطور الديني، والسياسي، في القرنين الأول والثاني،

في هذا العصر الذي اشتدت فيه الخصومة بين الأمويين والعلماء الأتقياء فوضع العلماء أحاديث في سبيل محاربة الطغيان

وهذا ما يسمي سياسياً بالمعارضة الساكتة، في حين أمر الأمويون بوضع أحاديث ضد عَلِيٍّ، ومدح الشام منها «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى» الذي يمثل ميولهم السياسية في تقديس بيت المقدس، وسمى الأمويون المدينة بالخبيثة، وذلك في الوقت الذي حرم فيه ابن الزبير أهل الشام من الحج إلى الكعبة،

وكان يتلاعب بالصلاة والمساجد كما حصل من معاوية من جعله المقصورة التي أزالها العباسيون بعد ذلك.

غير أن الصحابة وغيرهم يضعون الأحاديث لأغراضهم الدنيوية فمن ذلك ما فعله أبو هريرة بالزيادة على كلام النبي صلي الله عليه وسلم «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الكِلاَبِ، إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ»، فأخبر ابن عمر أن أبا هريرة يزيد: " «أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ» " فقال ابن عمر: «إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ يَزْرَعٌهَا» فملاحظة ابن عمر تشير إلى أن ما يفعله المحدث لغرض نفسه.

فرَد أبو شهبة عَلَى هَذِهِ الاِفْتِرَاءَاتِ وَالشُّبُهَاتِ: رداً إِجْمَالِي بأن القرآن الكريم نزل على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ومنه المجمل الذي يحتاج إلى تفصيل والمبهم الذي يحتاج إلى بيان وتفسير، وبينه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحرص الصحابة رضوان الله عليهم على حفظ ما يرد عن الرسول وفهمه والعلم به، والعمل، وذلك لتقواهم وحُبُّهُمْ للرسول الذي صار مضرب الأمثال.

أما الرد التفصيلي من خلال الشبهات القادمة

الجَوَابُ التَّفْصِيلِي عَلَى الشُبَهِ التِي أَثَارَهَا المُسْتَشْرِقُونَ:

الشُّبْهَةُ الأُولَى: «وهي الشبهة السابعة في تسلسل الشبه». وهي ما زعمه " جولدتسيهر " أن العلماء الأتقياء قاموا بحركة وضع قط ضد الأمويين،

فرَد أبو شهبة عَلَى هَذِهِ الشُّبْهَةُ أنه كيف تجامع التقوى الوضع في الحديث؟ وكانت القرون الثالثة الأولي من أتقي القرون وعلى الرغم من ذلك كانوا يقولون: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ» "

وأيضًا فقد كان الخلفاء والأمراء على دين، وعلى خلق فما كانوا يرضون الكذب لأجلهم قط في الحديث النبوي، وضرب أمثلة لمعاقبة الخلفاء لمن يضع الأحاديث.

الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: «وهي الشبهة الثامنة في تسلسل الشبه».  وهي ما زعمه " جولدتسيهر " أن خلفاء بني أمية وحكوماتهم كانوا يُرَغِّبُونَ الناس في الوضع وأنهم كانوا يؤيدون كل ما يريدون بوضع الأحاديث. وأن الوضع بدأ في وقت مبكر واستدل بما قاله الصحابي معاوية، للمغيرة بن شعبة «لاَ تُهْمِلْ فِي أَنْ تَسُبَّ عَلِيًّا، وَأنْ تَطْلُبَ الرَّحْمَةَ لِعُثْمَانَ، وَأَنْ تَسُبَّ أَصْحَابَ عَلِيٍّ، وَتَضْطَهِدَ مِنْ حَدِيثِهِمْ ...»

فرَد أبو شهبة عَلَى هَذِهِ الشُّبْهَةُ بأن كلمة أحاديثهم ليصل إلى غرضه من هدم السنة لو نفرض أن أحد خلفاء بني أمية أمر بشيء هل يصبح حديث، غير أن ما استدل به كلام محرف والنص الصحيح لمعاوية رضى الله عنه «لاَ تَتَرَحَّمْ عَمَّنْ شَتَمَ عَلِيًّا وَذَمَّهُ....».

أما شبهة أنه لا توجد مسألة خلافية دينية أو اعتقادية إلا ولها اعتماد على جملة من الأحاديث ذات الإسناد القوي.

فرَد أبو شهبة عَلَى هَذِهِ الشُّبْهَةُ أن الاختلاف في المسائل الفقهية له أسباب معقولة، ومحامل صحيحة أفاض في ذكرها العلماء، وذكر جملة منها، وليس أن كل صحابي أو عالم يضع أحاديث ليثبت صحة قوله.

الشبهة الثالثة: وهي ما زعمه " جولدتسيهر " من أن الأمويين استغلوا أمثال الزهري، فوضعوا لهم أحاديث مثل حديث «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: والمسجد الأَقْصَى» وافترائه على هذا الحديث بأنه موضوع.

فرَد أبو شهبة عَلَى هَذِهِ الشُّبْهَةُ أنهم قصدوا بالطعن في الزهري وأمثاله الطعن فيه بخاصة وفي الرواة بعامة، وبيَّن صحة هدا الحديث.

الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: وهي «الشبهة التاسعة». وهي ما زعمه جولدتسيهر، المستشرق اليهودي الحاقد على السُنَّةِ ورجالها وحملتها من الوضع في الأحكام التي لا تتفق هي وما يراه أهل المدينة في أحكام العبادات، ودليله أن معاوية خطب الجمعة قاعداً ومروان قدم الخطبة على الصلاة في صلاة العيد.

فرَد أبو شهبة عَلَى هَذِهِ الشُّبْهَةُ ما ملخصها أنه كان هناك كثيرون من صغار الصحابة، وكثيرون من التابعين الذين يضحون بأنفسهم وبأعز عزيز لديهم في سبيل دينهم، وما كانوا يخشون في الحق لومة لائم، مثال ذلك أَنَّ الحَجَّاجَ خَطَبَ فَقَالَ: «إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَدَّلَ كَلاَمَ اللهِ»، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «كَذَب لَمْ يَكُنِ ابْنُ الزُّبَيْر يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبَدِّلَ كَلاَمَ اللهِ وَلاَ أَنْتَ». والحجاج هُوَ مَنْ هُوَ قَسْوَةً عَلَى الأَمَّةِ الإِسْلاَمِيَّةِ ومحاولة إذلالها، وبالرغم من ذلك أنكر عليه ابْنُ عُمَرَ أشد الإنكار.

أما الرد على أن معاوية خطب الجمعة قاعداً، فقد روى ابن أبي شيبة «أَنَّ مُعَاوِيَةُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - خَطَبَ قَاعِدًا لَمَّا كَثُرَ شَحْمُ بَطْنِهِ وَلَحْمُهُ»، وروى البيهقي في " سُنَنِهِ " «أَنَّ ضَعْفَهُ كَانَ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ»

أما الرد على أن مروان قدم الخطبة على الصلاة في صلاة العيد، فقد ثبت أن أبا سعيد الخدري أنكر على مروان بن الحكم وإلى المدينة من قبل معاوية تقديم الخطبة على صلاة العيد، وجذبه من ثوبه، ومروان قد اعتذر بما يراه مُبَرِّرًا لعمله، ولم يختلق حَدِيثًا.

الشُّبْهَةُ الخَامِسَةُ: وهي «الشبهة العاشرة» ما استند إليه " جولدتسيهر " على أن الأحاديث موضوعة كلها مما ذكره أهل الجرح والتعديل في بعض الضعفاء، والكذابين، ثم ذكر جملة ممن وُصِفَ بوضع الأحاديث والتدليس

فرَد أبو شهبة عَلَى هَذِهِ الشُّبْهَةُ ي ما ملخص أن ما ذكروه كشبهة يشهد لنا، ويرجع بالنقض على كلامه، أليس فيه أكبر حجة على يقظة العلماء المعدلين، وفند أقواله ممن اتهم بالوضع والتدليس

الشُّبْهَةُ السَّادِسَةُ: وهي «الشبهة الحادية عشر». وهي قول " جولدتسيهر ": «وقد شعر المسلمون في القرن الثاني بأن الاعتراف بصحة الحديث يجب أن يرجع إلى الشكل فقط، وأنه يوجد بين الأحاديث الجيدة الإسناد كثير من الأحاديث الموضوعة» وأَيَّد قوله بحديث «سَيَكْثُرُ الحَدِيثُ عَنِّي فَمَا وَافَقَ القُرْآنَ فَهُوَ ِمنِّي، قُلْتُهُ أَوْ لَمْ أَقُلْهُ»

فرَد أبو شهبة عَلَى هَذِهِ الشُّبْهَةُ ما ملخصه أن هذا الكلام من افتراءات المستشرقين، ولم نقف عليه في كلام إمام من الأئمة، وكيف يبذلون الجهد، ويقضون العمر في معرفة الأحاديث الصحيحة، والتمييز بينها وبين الأحاديث المردودة وعلى رأسها الموضوعات، ثم يوجبون أن يكون فيما صَحَّحُوهُ ما هو موضوع مختلق مكذوب، هذا ما لا يقبله عقل!!! والحديث الذي استدل به فهو موضوع لا محالة وبَيَّن ذلك.

الشُّبْهَةُ السَّابِعَةُ: وهي «الشبهة الثانية عشر». أن " جولدتسيهر " ضعَّف أحاديث أنصبة الزكاة

فرَد أبو شهبة عَلَى هَذِهِ الشُّبْهَةُ بأن علماء الإسلام المشتغلين بالحديث من لدن نشأتهم لا يصلون إلى بعض الحقائق المتعلقة بالحديث إلا بعد طول الدرس والبحث واستفراغ الوسع فما بالك بهؤلاء الغرباء عن الإسلام وعلومه حينما يتعرضون للبحث في الحديث، فإذا اجتمع إلى ذلك خُبْثُ الطَّوِيَّةِ، وسوء الغرض من دراساتهم وحرصهم على النيل من القرآن ومن السُنَّةِ تكون النتيجة كثرة الأغلاط والأخطاء في بحوثهم، ثم ذكر الروايات المتعلقة بالزكاة وبيَّن صحتها

ثم ذكر أبو شهبة نَظَرِيَّةُ المُسْتَشْرِقِينَ المُعَاصِرِينَ فِي الحَدِيثِ: فنقل عن أحد المستشرقين المنصفين يدعي " فِينِكْ " حيث رد على " جولدتسيهر " وأمثاله وأبطل نظريتهم في الحديث والمحدثين وصدع بما هو الحق في الحديث.

ثم علَّق أبو شهبة عَلَى كَلاَمِ فِينِكْ أنه يعتبر تَحَوُّلاً مهما في تاريخ الاستشراق، فبعد أن سادت نظرية " جولدتسيهر " التي وافقه عليها الكثيرون من المستشرقين من الطعن في الأحاديث ورواياتها من الصحابة وغيرهم.

ثم ذكر أبو شهبة عدة أحاديث اتفق المستشرقون الملحدون على صحتها بالرغم أن علماء الأحاديث قاطبة اجتمعوا على أنها موضوعة منها: «أَهْدَيْتُ لِلْعُزَّى شَاةً عَفْرَاءَ وَأَنَا عَلَى دِينِ قَوْمِي» «أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّى أَوْلاَدَهُ عَبْدَ العُزَّى، وَعَبْدَ مَنَافٍ، وَالقَاسِمَ»

ثم ذكر أبو شهبة عنوان نِهَايَةُ المَطَافِ:

ذكر فيه أن هذه الشبهات هي بعض ما وقف عليه في " دائرة المعارف الإسلامية " التي ألفها المستشرقون

ومعظمهم متعصبون وحاقدون على الإسلام والمسلمين،

وفي " كتب الباحثين والمؤلفين المسلمين " الذين تابعوا المستشرقين في معظم ما قالوا، أو في بعض ما زعموا.

ثم حث أبو شهبة علماء المسلمين وحركهم للدفاع عن سنة نبيهم صلي الله عليه وسلم وأعلمهم أن هذا النوع من الجهاد من أعظم أنواع الجهاد في الإسلام، ففي الحديث المروي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «جَاهِدُوا [الْمُشْرِكِينَ] بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ» رواه أحمد بإسناد صحيح،

أُمْنِيَاتٌ وَتَوْصِيَاتٌ:

ثم ذكر أبو شهبة عدة كتب لهذا المستشرق الخبيث " جولدتسيهر " فيها طعن في عقيدة المسلمين والقرآن منها:

كتاب " العقيدة والشريعة " وكتاب " مذاهب التفسير الإسلامي " كلها ترهات، وأباطيل.

وكان يتمني أن يرُدَّ على ما فيه من تجنيات، وتشويهات، وتحريفات للثقافة الإسلامية، ولكن شغله عن ذلك الاشتغال بتدريس السنة النبوية، ودراستها دراسة متعمقة، ويتمني أن يتفرغ أحد للرد عليها.

ثم ذكر أبو شهبة عدة أحاديث قد أثيرت حولها الشبه، واشتدت الخصومة فيها بين أنصار السنة المنصفين، وبين أعدائها الحاقدين على الإسلام والمسلمين مثل «حَدِيثِ الذُّبَابِ» المروي في "الصحيحين " وحَدِيثِ «الجَسَّاسَةِ» الذي رواه الإمام مسلم في " صحيحه ". و «أَحَادِيثِ المَسِيحِ الدَجَّالِ الذِي سَيَجِيءُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ» رواه " البخاري ومسلم " وغيرهما.  و «أَحَادِيثِ نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ»، رواه " البخاري ومسلم " وغيرهما من أئمة الحديث. و «حَدِيثِ مَجِيءِ مَلَكُ المَوْتِ إِلَى مُوسَى - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - وَصَكَّهُ فِي عَيْنِهِ» رواه " البخاري ومسلم "

و «حَدِيثِ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ» رواه الشيخان وغيرهما من أئمة الحديث وزعم بعض الزاعمين أنه من الإسرائيليات.

و «أَحَادِيثِ شَقِّ صَدْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَشَقِّ صَدْرِهِ الشَّرِيفِ قُبَيْلَ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ».

و «كُلُّ [بَنِي] آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبِهِ حِينَ يُولَدُ، إِلاَّ مَرْيَمَ وَابْنَهَا» البخاري ومسلم 

فبيَّن أبو شهبة صَحِيحة هذه الأحاديث سَنَدًا وَمَتْنًا ثم شرحها، ونقل عدة أقوال مستفيضة من شُّراح الأحاديث لحديث الذباب وأيَّده بأبحاث علمية قديمة وحديثة في مجال الطب أثبت بها أن هذا الحديث معجزة نبوية للذي لا ينطق عن الهوى صلي الله عليه وسلم، وكذلك حديث سحر النبي صلي الله عليه وسلم ورد على الشبهات والاعتراضات على الحديث رداً علمياً.

تَوْصِيَاتٌ: ختم أبو شهبة هذا البحث الممتع بتوصيات:

للمشتغلين بالسنن والأحاديث وخدمة السنة النبوية الشريفة ملخصها أن يقسموا أنفسهم فجماعة تقوم على إحياء كتب التراث الإسلامي في الحديث وعلومه وجماعة تقوم على شرح كتب الحديث التي لم تشرح إلى الآن، أو شرحت ولكن الشروح جاءت موجزة وغير وافية ويأتي في المقدمة من هذه الكتب " صحيح مسلم "، و" مسند أحمد "، و " سنن النسائي " و " سنن ابن ماجه " ونحوها.

أما الجامعات الإسلامية بوضعها الحالي لن تخرج عالمًا يرجع إليه في العلم وذلك لأن الدراسة فيها لم تقم على دراسة العلم للعلم كما هو الشأن في العصور الإسلامية الذهبية الأولى وإنما أصبحت الدراسة في الجامعات لا تهمهم إلا بالشهادة التي تهيئ لهم العمل، فعلي الجامعات الإسلامية أن تراجع نفسها في مناهجها وفي طريقة تدريسها، وفي الغرض من إنشائها.

القِسْمُ الثَّالِثُ: بَيَانُ الشُّبَهِ التِي أَوْرَدَهَا بَعْضُ مَنْ يُنْكِرُ حُجِيَّةَ السُنَّةِ وَالرَدِّ عَلَيْهَا:
تأليف الدكتور / عبد الغني محمد عبد الخالق

وكان تأليف هذا الكتاب للرد على شبهات الدكتور محمد توفيق صدقي الذي كان ينشر في مجلة " المنار " تحت عنوان «الإسلام هو القرآن وحده» ظنًا منه أنه بذلك يخدم دينه ويدافع عنه، بل ليطعن في السنة.

الشُبْهَةُ الأُولَى: قَوْلُهُمْ بِأَنَّ الكِتَابَ قَدْ حَوَى كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ بدليل أن الله تعالى يقول: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} أي لا نحتاج للسنة.

فرد عليه د/عبد الغني ما ملخصه أنه ليس المراد من الكتاب في الآية القرآن، بل المراد به: اللوح المحفوظ، فإنه الذي حوى كل شيء، ولو المراد به القرآن فللعلماء في تأويلهما وجوه:

الوجه الأول: أن المراد: أنه لم يفرط في شيء من أمور الدين وأحكامه، وأنه بَيَّنَهَا جميعها إلا أن هذا البيان على نوعين:

*بيان بطريق النص، وذلك: مثل بيانه أصول الدين وعقائده، وبيانه وجوب الصلاة والزكاة .....ألخ

*وبيان بطريق الإحالة على دليل من الأدلة الأخرى التي اعتبرها الشارع في كتابه أدلة وَحُجَجًا على خلقه مما بينته السنة أو الإجماع أو القياس أو غير ذلك من الأدلة المعتبرة

الوجه الثاني: أن الكتاب لم يُفَرِّطْ في شيء من أمور الدين على سبيل الإجمال، وَبَيَّنَ جميع كليات الشريعة دون النص على جزئياتها وتفاصيلها. ومن المعلوم أنَّ ذلك لا يكفي في استنباط المجتهد مَا يُقَوِّمَ العبادة، وَيُحرِّرُ المُعَامَلَةَ. فَلاَ بُدَّ له من الرجوع إلى مَا يُبيِّنُ له المُجْمَلَ وَيُفَصِّلَهُ لَهُ، وَيُبيِّنُ جزئيات هذه الكليات.

 ومنها: ما سن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مما ليس لله فيه نص حكم، وقد فرض الله في كتابة طاعة رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والانتهاء إلى حكمه.

ومنها: ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه، وابتلى طاعتهم في الاجتهاد كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض عليهم. فعنه يقول تبارك وتعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}

الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُمْ إِنَّ اللهَ تَكَفَّلَ بِحِفْظِ القُرْآنِ دُونَ السُنَّةِ ...:


فرد عليه د/عبد الغني ما ملخصه أن الله تعالى قد تكفل بحفظ الشريعة كلها: كتابها وسنتها. كما يدل عليه قوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} ونور الله: شَرْعُهُ وَدِينُهُ الذي ارتضاه للعباد وكلفهم به وضمنه مصالحهم، والذي أوحاه إلى رسوله من قرآن أو غيره ليهتدوا به إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة.

وأما قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} فللعلماء في ضمير الغيبة فيه - قولان:

أحدهما: أنه يرجع إلى محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحفظه الله من الكفار فلا يصح التمسك بالآية حينئذ.

وإن فسرناه بالقرآن فلا نسلم أن في الآية حصرا فإن الله تعالى قد حفظ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الكيد والقتل، وحفظه العرش والسموات والأرض من الزوال إلى أن تقوم الساعة.

وكذلك السنة فقد حفظها الله تعالى كما حفظ القرآن: فلم يذهب منها - وَللهِ الحَمْدُ - شيء على الأمة، وإن لم يستوعبها كل فرد على حدة.

الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُمْ: لَوْ كَانَتْ السُنَّةُ حُجَّةً لأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابَتِهَا وَلَعَمِلَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ عَلَى جَمْعِهَا وَتَدْوِينِهَا!!:

ونقل أدلة صحيحة وأخري ضعيفة فيها النهي عن كتابة الحديث وآثار عن الصحابة والتابعين في ذلك.

فرد عليه د/عبد الغني ما ملخصه أن الكتابة ليست من لوازم الحُجِّيَةِ فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يرسل السفراء من الصحابة إلى القبائل المختلفة ليدعوا الناس إلى الإسلام ويعلموهم أحكامه ولم يرسل مع أحد منهم قرآناً مكتوبًا  فعدالة السفير وحفظه تكفي، والصلاة مثلاً لا يمكن للمجتهد أن يهتدي إلى كيفيتها من القرآن وحده ولم يثبت أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أمر بكتابة كيفيتها التي شرحها بفعله وقوله ولو كانت الحُجِّيَةُ متوقفة على الكتابة لما جاز له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يهمل الأمر بها وإيجابها على الصحابة، فالله أنزل التوراة مكتوبة علي موسي عليه السلام واليهود حرفوها فالكتابة بذاتها ليست حجة، فالحجة في عدالة الناقل وقوة حفظه وهما شرط في قبول الحديث والكتابة دون الحفظ في القوة خصوصا عند العرب فقد كانوا أمة أمية، يندر فيهم من يعرف الكتابة وندر أن يقع منهم خطأ أو نسيان لشيء مما حفظوه، بخلاف من يعتمد على الكتابة فإنه تضعف فيهم ملكة الحفظ ويكثر عندهم الخطأ والنسيان لما حفظوه، وَخُصُوصًا الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ مِنْهُمْ، فاللهُ ملأ قلوبهم بالإيمان والتقوى والرهبة والخوف أن ينقلوا شيء غير أن يتأكدوا ويتثبتوا أنه الحق من ربهم ومن رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويزيد ذلك ثباتاً أن النبي صلي الله عليه وسلم أمرهم بالحفظ والعلم والفقه.

ثم ذكر حكم الخبر الواحد هل يفيد الظن أو اليقين؟ وحكم وجوب العمل به؟ وأقوال العلماء والمخالفين في ذلك من أهل البدع، واثبت قبول خبر الأحاد بأدلة منها: أنه قد تواتر:

*أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يرسل صحابي واحد لتبليغ الأحكام وتفصيل الحلال والحرام.

*إجماع الصحابة  رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ على وجوب العمل بخبر الواحد العدل وذلك في وقائع شتى لا تنحصر.

*أن أكثر معاني الألفاظ  اللغوية منقولة إلينا بطريق الآحَادِ سَمَاعًا أَوْ فِي الكُتُبِ مثل الأصمعي أو أبي عبيدة، ونحن نعمل بها فأين هؤلاء من نقلة السنة الثقات الأتقياء المتمسكون بدينهم المخلصون له، كأمثال الصحابة والزهري ومالك والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ.

ثم انتقل د/عبد الغني إلى قضية الحِكْمَةُ فِي أَمْرِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابَةِ القُرْآنِ وَحْدَهُ: فذكر ما ملخصه
أن ترتيب الآيات توقيفي فأمر بحفظه وكتابته زيادة تأكيد لكونه كتاب الله تعالى وأعظم معجزة لسيدنا محمد صلي الله عليه وسلم، والله تعبدنا بتلاوته، بخلاف السنة فلا ترتيب بين الأحاديث بعضها مع بعض ولم يتعبدنا الله بتلاوة لفظها. وأجاز روايتها على المعنى، مع ملاحظة الفرق الشاسع بين حجم القرآن وحجم السنة التي من وظيفتها الشرح والبيان له. وعادة الشرح أن يكون أكبر حجما من المشروح، فلاَ يَدُلُّ نَهْيُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كِتَابَةِ السُنَّةِ عَلَى عَدَمِ حُجِّيَّتِهَا ولا في عدم نقلها، بل أمر بنقلها فقال صلي الله عليه وسلم: "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ..." وتوعد على الكذب عليه أشد الوعيد، والنهي عن عدم الأخذ بالسنة دليلاً على أن السنة لها شأن خطير وفائدة جليلة للسامع والمبلغ، وعكس ذلك مستلزم لتبديل الأحكام الشرعية واعتقاد الحلال حرامًا والحرام حلالاً.

وأما الحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنْ كِتَابَةِ السُنَّةِ: خشية اختلاطها بالقرآن، إلى أن يطمئن إلى كمال تميزه عن غيره عند سائر الناس، ونهي عن كتابتها خوف اتكالهم على الكتابة، وإهمالهم للحفظ فأما من كان ضعيف الحفظ فقد كان يجيز له الكتاب كما في أبي شاه، ونهي عن كتابتها لأن العارفين بالكتابة كانوا في صدر الإسلام قليلين، فاقتضت الحكمة قصر مجهودهم على كتابة القرآن، وعدم اشتغالهم بكتابة غيره. تقديمًا للأهم على المهم فلما كثرت جِدًّا، وفاتت الحصر والعد، وضعفت عن حفظ جميعها أمر بكتابتها كما حصل لعبد الله بن عمرو.

فالجمع بين النهي عن كتابة السنة والإذن في كتابتها هو: أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره.

أو أن النهي خاص بكتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة. أو أن النهي لمن أمن عليه النسيان ووثق بحفظه وخيف اتكاله على الخط إذا كتب أو أن يكون النهي نسخه بالأمر بالكتابة.

ثم ذكر أدلة من السنة بالإذن بالكتابة وعدة آثار عن الصَّحَابَةِ أنهم كانوا يدونون السنة بعد وفاة النبي صلي الله عليه وسلم، ثم اهتمام التابعين بالتدوين وخاصة بعد تفرق الصحابة في البلدان واتساع الأمة، ثم التدوين في عصر تابعي التابعين وأمر عمر بن عبد العزيز بالتدوين وبذلك انعقد الإجماع على إباحة الكتابة وتدوين السُنَّةِ. بل ذهب بعضهم إلى ندبها ووجوبها.

شبهة اِمْتِنَاع الصَّحَابَةِ عَنْ التَّحْدِيثِ بِالسُنَّةِ وَنَهْيِهِمْ عَنْهُ أنه دليل علي عدم حجية السنة.

 فرد د/عبد الغني على هذه الشبهة ما ملخصه أنه لا يصح بحال أن يتوهم متوهم أنهم امتنعوا عن التحديث في جميع الأحوال وكيف يصح هذا الوهم وقد ثبت أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرهم بالتحديث وتبليغ ما يصدر منه إلى من بعدهم، غير أنهم كانوا أحرص الناس على التمسك بالسنة وعلى تبليغها والتحدث بها

أما الأَسْبَابُ التِي حَمَلَتْهُمْ عَلَى الاِمْتِنَاعِ وَالنَّهْيِ عن التحديث تحمل على أنهم نهوا عن الإكثار من التحديث، لا عن التحديث بالكلية لأن الإكثار مظنة للخطأ وهذا دليل على عظم شأن السُنَّةِ في نفوسهم، وأنها حجة في الدين يجب العمل بها، وأيضاً أنهم كانوا يمتنعون أو ينهون عن أن يحدثوا قومًا حديثي عهد بالإسلام ولم يكونوا قد أحصوا القرآن. فخافوا عليهم الاشتغال بغيره عنه إذ هو الأهم والأصل لكل علم. وأنهم كانوا ينهون أو يمتنعون عن تحديث العامة وضعاف العقول بالأحاديث المتشابهة التي يعسر عليهم فهمها فيحملونها على خلاف المراد منها، أو أخَافوا أَنْ يَتَّكِلُوا ويتركوا العمل

ثم ذكر أحاديث وآثار مستفيضة تدل على ما ذكره.

الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُمْ بِوُجُودِ أَخْبَارٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ حُجِّيَّةِ السُنَّةِ:

فرد د/عبد الغني على هذه الشبهة بعد أن ذكر أدلتهم كاملة، أن الأدلة التي استشهدوا بها كلها ضعيفة لا يصح التمسك بها. (فمنها) ما هو منقطع. (ومنها) ما بعض رواته غير ثقة أو مجهول. (ومنها) ما جمع بينهما. (ومنها) موضوع.

ثم ذكر توجيه فقه كل حديث استدلوا به مع ضعفه مثال ذلك رواية طاووس أنه صلي الله عليه وسلم قال: «لاَ يُمْسِكَنَّ النَّاسُ عَلَىَّ بشيء، فَإِنِّي لاَ أُحِلُّ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَلاَ أُحَرِّمُ إِلاَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ» قال د/ محمد توفيق صدقي نهى فيها عن التمسك بالسنة والاحتجاج بها.

فرد د/عبد الغني بأن الحديث فهو منقطع كما قال الشافعي والبيهقي وابن حزم.

ولو فرضنا صحته: فليس دلالة على أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يأتي إلا بما في الكتاب: من تحليل أو تحريم، ولا على عدم حُجِّيَّةَ السُنَّةِ، فإنه قال: "لاَ يُمْسِكَنَّ النَّاسُ عَلَىَّ بشيء" وَلَمْ يَقُلْ "لاَ تُمْسِكُوا عَنِّي" بَلْ قَدْ أَمَرَ أَنْ يُمْسَكَ عَنْهُ وَأَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ، فليس معنى قوله: «لاَ يُمْسِكَنَّ النَّاسُ عَلَىَّ بشيء» تحريم التمسك بشيء مما يصدر منه، والمنع من الاحتجاج به. وإنما معناه: لا يتمسكن الناس عَلَىَّ بشيء من الأشياء التي خصني الله بها، وجعل حكمي فيها مخالفًا لحكمهم، فقد كان له خصائص أبيح له فيها ما لم يبح للناس، وحرم عليه منها ما لم يحرم على الناس - فقال: «لاَ يُمْسِكَنَّ النَّاسُ عَلَىَّ بشيء»

وبذلك انتهي الكتاب والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

أكاديمية أسس للأبحاث والعلوم