دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين (3-1)

دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين (3-1)
الأربعاء ٢٦ يونيو ٢٠٢٤ - ١٠:٥٨ ص
79

 دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين (3-1)

قرأه/ محمود الشرقاوي.

المؤلف: محمد بن محمد بن سويلم أبو شُهبة (ت ١٤٠٣هـ) أستاذ علوم القرآن والحديث بجامعة الأزهر وجامعة أم القرى

رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى

أهمية البحث: لا شك أن أجل ما يعتز به المسلم هو دينه. لذلك يبذل أعداء هذا الدين كل قوتهم المادية والعقلية لكي يُشَكِّكُوا المسلمين في أساس دينهم وهو القرآن الكريم وذلك بالتشكيك في تواتره وإعجازه وسلامته من الاختلاف والتناقض وصلاحية أحكامه لكل عصر ولكل بيئة، وفي سبيل هذه الغاية اختلقوا الروايات وحرَّفوا معاني الآيات.

وكذلك حاولوا أنْ يُشَكِّكُوا المسلمين في الأصل الثاني وهو السُنَّةُ النبوية وقد اتَّخذوا للوصول إلى هذه الغاية الدنيئة أساليب متعددة، فتارة عن طريق التشكيك في ثبوتها، وأنها آحادية وليست متواترة، أو بالطعن في حملة السنة من الصحابة والرواة الثقات، وقد حمل لواء الحرب علي السنة قديماً أعداء الدين، فانبرا علماء الأمة في الرد عليهم، ويأتي في عصرنا الآن أعداء الدين في ثوب جديد، ثوب الليبرالية والعلمانية والمستشرقين ليعدوا الكرة وليتبروا ما علوا تتبيرا، ولا يزال علماء الأمة واقفين لهم بالمرصاد مصداقا لقول الحق (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ)، ومن هؤلاء العلماء فضيلة الشيخ د/ محمد بن محمد بن سويلم أبو شُهبة أستاذ علوم القرآن والحديث بجامعة الأزهر وجامعة أم القرى رَحِمَهُ اللهُ في كتابه الممتع القيم دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين.

والشبهات التي رد عليها العلامة أبو شهبة وكذلك الدكتور عبد الغني عبد الخالق رَحِمَهُما اللهُ تَعَالَى هي نفس الشبهات التي تبث وتنشر في هذه الأيام في بعض القنوات الفضائية لأعضاء مركز تكوين (إبراهيم عيسى وإسلام البحيري....) الذي أنشأ حديثاً، فمن أراد أن يحصن نفسه ضد هذه الشبهات ويرد عليها فعليه بهذا الكتاب الذي بين أيدينا لعالمين من علماء الأزهر الأجلاء.

ملحوظة: هذا الكتاب له طبعتان:

الطبعة الأولي: طبعة مجمع البحوث الإسلامية – القاهرة، عدد الصفحات: ٢٨٥ صفحة، تحتوي على القسم الأول فقط، وهو دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكُتَّاب المعاصرين. د/ محمد أبو شهبة - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى –

الطبعة الثانية: طبعة مكتبة السنة عدد الصفحات: ٥٠٨ صفحة، تحتوي على ثلاثة أقسام:

[القسم الأول]: دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين. د/ محمد أبو شهبة - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -

[القسم الثاني]: بعض الشبه الواردة على السنة قديما وحديثا وردها ردا علميًا صحيحًا د/ محمد أبو شهبة - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى [القسم الثالث]: الرد على من ينكر حجية السنة - الدكتور الشيخ/ عبد الغني عبد الخالق - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى

وهذه الطبعة أفضل لاحتوائها على القسم الثاني المشتمل على بعض الشبه الواردة على السنة قديما وحديثا وردها ردا علميًا صحيحًا، قال عنه مؤلفه - رَحِمَهُ اللهُ -: «هذا الكتاب الذي يعتبر عُصارة ذهني، وعقلي، وقلبي، وخُلاصة عمر طويل في دراسة السُنَّة النبوية المُطَهَّرَةَ، والردود على ما يُثار حولها من شُبَهٍ، وتجنِّيات، وأباطيل، ما يزيد عن ثُلُثِ قرنٍ من الزمان، ولله الحمد والمِنَّةُ»

وملحق بهذه الطبعة كتاب آخر للدكتور الشيخ/ عبد الغني عبد الخالق - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى الرد على من ينكر حجية السنة، وهو القسم الثالث

نبذة عن الكتاب: سبب تأليفه الرد على ِكِتَابِ «محمود أَبُو رَيَّةَ»: " أضواء على السُنَّة المحمدية " الذي أتي بشبهات حول السنة وطعن في عدة أحاديث وطعن الصحابة إجمالاً وفي أبي هريرة تفصيلاً، وكلها افتراءات وأكاذيب عارية عن الصحة والأمانة العلمية في النقل.

[القسم الأول]: دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين. د/ محمد أبو شهبة - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -

بدأ المؤلف بمقدمة ذكر فيها أن مرجع الشريعة الإسلامية إلى أصلين شريفين: القرآن الكريم، والسُنَّة النبوية.

والسُنَّة بيان للقرآن، وشرح لأحكامه، والسُنَّة متى تثبت عن المعصوم - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - فهي تشريع وهداية، وواجبة الاتباع لا محالة.

ثم ذكر طرق وحي السنة، وكيف عنيت الأُمَّة الإسلامية بتبليغ هذين الأصلين عناية فائقة لم تعهد في أمَّة من الأمم منذ عصر الصحابة حتى وصل إلينا لا تزايد فيه ولا اختلاق ولا تحريف ولا تبديل، مصداقا لقول الله سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، ثم ذكر بداية تدوين السنة بصفة عامة مما أدى إلى وجود كتب قيمة، وموسوعات ضخمة اشتملت على الأحاديث النبوية.

ثم ذكر طرق أعداء هذا الدين في التشكيك فيه وذلك بالتشكيك في القرآن وتواتره وإعجازه وسلامته من الاختلاف والتناقض وصلاحية إحكامه لكل عصر، التشكيك في السُنَّةُ النبوية عن طريق التشكيك في ثبوتها، وأنها آحادية وليست متواترة. وتارة أخرى عن طريق اختلاق الروايات التي تظهر الأحاديث بمظهر السطحية والسذاجة، وقد جاء القساوسة والمُسْتَشْرِقُونَ في العصور الحديثة فأخذوا هذه الطعون والشبهات فنفخوا فيها وزادوا فيها وللأسف أنَّ بعض المسلمين تلقفوا هذه الشبهات والطعون وجعل من نفسه بوقاً لترَدًّادها، بل كانوا أشد من المُسْتَشْرِقِينَ وَالمُبَشِّرِينَ هوى وعصبية وعداءً ظاهراً للسُنَّة وأهلها.

ثم ذكر مَنْزِلَةُ السُنَّةِ مِنَ الدِّينِ:
فالقرآن الكريم هو الأصل الأول للدين، والسُنَّة هي الأصل الثاني، ومنزلة السُنَّة من القرآن أنها مبيِّنة وشارحة له تُفَصِّلُ مُجْمَلَهُ، وتوضِّحُ مُشْكِلَهُ، وتُقَيِّدُ مطلقه، وتُخَصِّصُ عامَّه، وقد كان النَّبِي - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - يُبَيِّنُ تارة بالقول وتارة بالفعل وتارة بهما، وأنه قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وأنه قال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ».

وذكر أمَثَلة كثيرة مِنْ بَيَانِ السُنَّةِ لِلْقُرْآنِ:

منها قول الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} ولكنه لم يبين عدد الصلوات ولا كيفيتها ولا أوقاتها ولا فرائضها من واجباتها من سُننها فجاءت السُنَّة المُحمَّدية فبيَّنت كل ذلك، وكذلك الزكاة.

ونقل عدة أقوال للصحابة ومن بعدهم منها قول مَكْحُولٍ قَالَ: «الْقُرْآنُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْقُرْآنِ».

وذكر أدلة كثيرة على حُجِيَّةُ السُنَّةِ: منها: «أَلاَ إِنَّنِي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ..». الحديث

أما الحديث الذي يرويه القائلون بعدم استقلال السُنَّةِ بالتشريع، وهو: «إذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافق فخذوه وما خالف فاتركوه» فقد بَيَّنَ أئمة الحديث وصيارفته أنه موضوع.

أما عِنَايَةُ الصَّحَابَةِ بِالأَحَادِيثِ وَالسُّنَنِ: فذكر كيف كان اهتمام الصحابة بسماع وبتبليغ السُنن لأنهم يعلمون أنها دين واجبة البلاغ للناس كافة.

أما النَّهْيُ عَنْ كِتَابَةِ الأَحَادِيثِ فِي العَصْرِ النَّبَوِيِّ: فلاعتمادهم على قوة حفظهم وسيلان أذهانهم وخشية أنْ يلتبس على البعض بالقرآن الكريم، أما مَنْ أمن عليه اللبس فلا حرج عليه في الكتابة، وعلى هذا يحمل ما ورد من الروايات الثابتة الدالة على الإذن في الكتابة لبعض الصحابة مِنْهم عَبْد اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ العَاصِ وما أنْ توفي الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى كثر عدد من كان يكتب الحديث من الصحابة، وكذلك كتب التابعون وأكثروا، وَقَدْ هَمَّ الفَارُوقُ عٌمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنْ يَجْمَعَ الأَحَادِيثَ وَيُقَيِّدَهَا بِالكِتَابَةِ لكنه خشي أن ينَكَبُّوا عَلَيْهَا وَيترَكُوا كِتَابَ اللَّهِ.

واستمر الأمر على ذلك، البعض يكتب والبعض لا يكتب إلى أنْ كان عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فرأى جَمْعَ السُنن وتدوينها خشية أنْ يضيع منها شيء وقد قام العلماء بجمع الأحاديث والسُنن وتمحيصها، وتمييز صحيحها من سقيمها، واستقرَّ الأمر، وانعقد الإجماع على جواز كتابته.

ثم ذكر اهتمام الصحابة ومن بعدهم بالسفر لسماع الأحاديث والأَطْوَارُ التِي مَرَّ بِهَا تَدْوِينُ الحَدِيثِ وعِنَايَةُ المُحَدِّثِينَ بِنَّقْدِ الأحاديث ومعرفة كون الحديث صحيحاً أو حسناً أو ضعيفاً وأنَّ نقد المرويات، وتمييز صحيحها من زائفها قد كان ملازماً لجمعها في الكتب والجوامع والمسانيد، ومَنْ اطَّلع على منهج المُحَدِّثِينَ في الشروط التي وضعوها لقبول الحديث والنقد وطريقتهم في التعديل والتجريح ومُبالغتهم في التحري عن معرفة حقيقة الراوي يكاد يجزم بأنَّ تجويز الكذب على الراوي المستجمع لهذه الشروط أمر مستبعد، وكذلك بعد اشتراطهم للضبط يكون احتمال الغلط أو الخطأ في روايته احتمالاً بعيداً، وقد رَدُّوا رواية من كثر غلطه وغفلته وساء حفظه، وكذا من تساوى صوابه وغلطه واعتبروا حديثه مُنكراً، وأنَّ الذين نقلوا الأحاديث وَرَوَوْهَا منهم من التزم اللفظ ومنهم من أجاز الرواية بالمعنى، وهؤلاء المُجِيزُونَ كانوا عرباً خلصاً غالباً، وأنهم كانوا أهل فصاحة وبلاغة، وأنهم قد سمعوا من الرسول أو مِمَّنْ سمعوا من الرسول وشاهدوا أحواله، وأنهم أعلم الناس بمواقع الخِطاب ومحامل الكلام، وأنهم يعلمون حق العلم أنهم يَرْوُونَ ما هو دين، ويعلمون حَقَّ العلم حرمة الكذب على رسول الله، وأنه كذب على الله فيما شرع وحكم.

إذا علمنا كل ذلك أَيْقَنَّا أنَّ الرواية بالمعنى لم تَجْنِ على الدِّينِ، وأنها لم تُدْخِلْ على النصوص التحريف والتبديل كما زعم بعض المُسْتَشْرِقِينَ، وأنَّ الله الذي تَكَفَّلَ بحفظ كتابه قد تَكَفَّلَ بحفظ سُنَّة نبيِّه صلي الله عليه وسلم من التحريف والتبديل، وقَيَّضَ لها في كل عصر من ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المُبطلين، وتأويل الجاهلين، فذهب الباطل الدخيل، وبقي الحق مورَدًّا صافياً للشاربين.

ثم ذكر نَقد إِجْمَالِي لِكِتَابِ «محمود أَبُو رَيَّةَ»: " أضواء على السُنَّة المحمدية " حيث أنَّ المؤلف «أَبا رَيَّةَ» اعتمد في التدليل على بعض ما ذهب إليه في كتابه على كلام المُسْتَشْرِقِينَ الذين يحملون الضغن للإسلام والمسلمين، وأنهم لما عَزَّ عليهم التشكيك في القرآن رَكَّزُوا معظم جهودهم في السُنَّة، فشكك من ناحية في الأحاديث وأنها مروية بالمعنى مما أدي لضررها الديني واللغوي والأدبي، ويستشهد بأحاديث موضوعة للتشكيك في السنة، ويُشَكِّكَ في صحة أحاديث صحيحة ثابتة مثل حديث «أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» فقد نقده من ناحية متنه مُوهِمًا اختلافه، وطعن في حديث «الإسراء والمعراج» وحَمْلِ موسى محمدا- عَلَيْهِمَا الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - على مراجعة ربه، واعتبر ذلك من الإسرائيليات، جارى « أبُو رَيَّةَ» المُسْتَشْرِقِينَ فحَكًمً على كل ما يَدُلُّ على فضيلة لصحابي أنه موضوع وتحامل تحاملاً لا يرتضيه المُنْصِفُونَ بأنْ يرمي أبا هريرة بكل جارحة.

النَّقْدُ التَّفْصِيلِيُّ لِكِتَابِ «محمود أَبُو رَيَّةَ»: " أضواء على السُنَّة المحمدية ":

فرد على «محمود أَبُو رَيَّةَ» في زعمه أنَّ المُحَدِّثِينَ حصروا عنايتهم في السند دون المتن بسبب أن بعض الأحاديث تخالف العقل، فرد عليه ردا علمياً، وأن الأحاديث المخالفة للعقل في زعمه قد تكون من المجاز أوقد يكون متن الحديث من قبيل الغَيَّبَيات كأحوال القيامة واليوم الآخر فردُها - تحكيما للعقل فيها وبناء على قياس الغائب على الشاهد ليس من الإنصاف، أوقد يكون متن الحديث من المعجزات النبويَّة إلى أنْ جاءت الأيام بتصديقها وذلك مثل الحديث الصحيح: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ». فقد أثبت بعض الأطباء أثر التراب الفَعَّالِ في قتل وإزالة الميكروب المتخلف عن سُؤْرِ الكلب.

ورد على «محمود أَبُو رَيَّةَ» في زعمه أَنَّ الأَحَادِيثَ كُلُّهَا رُوِيَتْ بِالمَعْنَى: أنَّ وُرُودَ الرواية بالمعنى في الأحاديث الطويلة إنما تكون في الكلمة والكلمتين والثلاث، وقلَّما تكون الرواية بالمعنى في جميع ألفاظ الحديث.

ورد على «محمود أَبُو رَيَّةَ» في تَجَنِّيه عَلَى سَيِّدِنَا عُمَرَ وَأَنَّهُ حَبَسَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ بِسَبَبِ رِوَايَةِ الحَدِيثِ:

فرد بنقل كلام ابن حزم أن الخبر ظاهر الكذب.

ورد على طَعْنُهُ فِي حَدِيثِ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا» بأن لفظة «مُتَعَمِّدًا» قد تسللت إلى هذا الحديث من طريق الإدراج المعروف عند العلماء، لِيُسَوِّغَ بها الذين يضعون الحديث على رسول الله حسبة من غير عمد،

فرد من خلال تتبع روايات الحديث بأنه متواتر، وأن كلام «محمود أَبُو رَيَّةَ» متناقض فكيف يجامع قصد الوضع عدم التعمد؟ فالإثم عن الخاطئ مرفوع وما ألحق بالحديث غلطاً أو سهواً أو خطأً من قبيل الشبيه بالموضوع ولا تَحِلُّ روايته إِلاَّ مقترنا ببيان أمره، و «أَبُو رَيَّةَ» للأسف يتبع طريقة {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ} ويترك {وَأَنْتُمْ سُكَارَى} فيبتر نصوص العلماء ليروج لكلامه الباطل. و «أَبُو رَيَّةَ» يسمي علماء الأحاديث بأدعياء السُنَّة وعبيد الأسانيد ومن دأبه اَيْضًا التهويل والمبالغة عند عرض فكرة أو رأي له، وأنه يجعل الفرع أصلاً والأصل فرعاً.

ورد على «محمود أَبُو رَيَّةَ» في افترائه على الرواة بحديث: «نَضَّرَ اللَّهُ أمرؤا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا» وأنهم رَوَوا أحاديث بالمعني لتعدد صيغها فمَثَّل لذلك «أَبُو رَيَّةَ» بما ورد في صيغ التشهد من أحاديث،

فرد عليه "أبو شهبة" ما ملخصه بأنَّ الطالب المبتدئ في الحديث ليدرك بادئ الرأي أنها وقائع متفرقة، وأنَّ النَّبِي قال كل ذلك في أوقات متفاوتة بهذه الألفاظ المتغايرة، لِيُبَيِّنَ للأمَّة أنَّ التشهد بأي منها جائز، وقد اختلفت أنظار الأئمة في ترجيح بعضها على بعض من غير طعن في المرجوح ولا رَدَّ له.

ثم ذكر تَهَكُّم أَبِي رَيَّةَ بالمُحَدِّثِينَ وَتَجْهِيلِهِ لَهُمْ بسبب التقديم والتأخير أو الزيادة والنقص في بعض الروايات

وهو يُوهم من لا يعلم أنَّ المُحَدِّثِينَ جميعاً على هذا، فرد عليه مبيناً تَحَوُّطُ المُحَدِّثِينَ البَالِغِ فِي الرِّوَايَةِ بِالمَعْنَى

وأنَّ الذين نقلوا الأحاديث من الصحابة ومن بعدهم من ثقات الرُوَاةِ كان لهم من الخصائص الدينية والنفسية والخلقية ما يعصمهم من التغيير والتبديل والتساهل في الرواية وإنكار ذلك مكابرة، وأنَّ القواعد التي أخذ جامعو الأحاديث بها أنفسهم عند تدوينها هي أدق وأرقى ما وصل إليه علم النقد.

ثم ذكر طَعْن «محمود أَبُو رَيَّةَ» فِي مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وأن كل ما ذكر فيه فضائله موضوع وأنه من الطلقاء ومن المُؤَلَّفَةِ قلوبهم.

فرد عليه "أبو شهبة" أن مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أسلم بعد الحُديبية قبل الفتح وأنه أخفى إسلامه مخافة أهله وأنه كان في عُمْرَةِ القضاء مسلماً، أما أبيه فمن المُؤَلَّفَةِ قلوبهم، ومهما يكن من شيء فقد أسلم وحسن إسلامه، وكان أحد كتبة الوحي بين يدي النَّبِي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكان له جهاد مشكور في نشر دعوة الإسلام وتوسيع فتوحاته، ولم تعرف عنه دخلة في إيمانه ولا ريبة في إخلاصه لإسلامه.

أما فضائله فقد خَرَّج البخاري في " صحيحه " حديثين موقوفين عن ابن عباس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أحدهما يثبت الصُحْبَةَ، والثاني الفقه في الدين، وبحسب معاوية فضلاً عند المنصفين أنْ يكون صحابياً وفقيهاً.

ولا ننكر وجود بعض أحاديث غير صحيحة في فضل الشام ومعاوية - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ولكن الذي ننكره البتة أنْ يكون

ذلك من وضع معاوية، وقُصَارَى القول أنَّ أئمة الحديث قتلوا المرويات بحثاً، وأفنوا أعمارهم فيها، ولم يَدَعُوا رواية في الفضائل وغير الفضائل إِلاَّ وبَيَّنُوا مكانها من الصحة أو الحسن أو الضعف والاختلاق، فهم لم يُقَصِّرُوا في خدمة السُنَّة

وذكر "أبو شهبة" أيضاً خَلْط أَبِي رَيَّةَ بَيْنَ الوَضْعِ وَالإِدْرَاجِ وجعله المُدْرَجَ من قبيل الموضوع تساهل منه، ورد عليه بأن الإدراج الذي يكون معه من القرائن اللفظية أو الحالية ما يدل على أنه مُدْرَجٌ من كلام الراوي لتفسير كلمة غامضة، لا يخل بعدالة الراوي، وهو أبعد ما يكون عن الوضع، وأما الإدراج الذي يكون فيه إيهام ولبس وهو الذي لا تصحبه قرائن فهو حرام كله إذا كان متعمداً.

وذكر طَعْن أَبِي رَيَّةَ فِي كَعْبِ الأَحْبَارِ ووهب بن منبه وأضرابهما من علماء أهل الكتاب الذين أسلموا، وقد نال أكثر ما نال من كعب، واعتبره الصهيوني الأول، وبهذه الطريقة حكم "أبو رية" على كثير من الأحاديث الصحيحة بأنها خرافات حتى طَعْن فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ من رواية كعب الأحبار يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ عن البشارة بِالنَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم،

فرد عليه بأن كعب الأحبار من التابعين، وعلماء الجرح والتعديل لم يتهموه بالوضع والاختلاق والجمهور على توثيقه، ولجهابذة الحديث ونقاده جهاد مشكور في الكشف عن هذه الإسرائيليات وتمييز صحيحها من باطلها.

وذكر أبو شُهبة أن أخبار مُسلِمة أهل الكتاب إلى ثلاثة أقسام:

أحدها: ما علمنا صحته مِمَّا بأيدينا مِمَّا يشهد له بالصدق فذلك صحيح. والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مِمَّا يخالفه.

والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته،

وبهذا يَتَبَيَّن لنا أنَّ الحُكْمَ على كل ما رَوَوْهُ بالكذب والبطلان فيه إسراف وَتَجَنٍّ.

ثم ذكر طَعْن أَبِي رَيَّةَ فِي حَدِيثِ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ:

وجعله مراجعة موسى لِنَبِيِّنَا محمد عَلَيْهِمَا الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ فيه من الإسرائيليات، لذكر لموسى عليه السلام، وأنَّ مراجعة موسى لنبينا عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ تستلزم نفي علم الله، وجَهَّل الذين يعتقدون صحة ذلك.

فرد عليه بأنه على منطق المؤلف تكون كل الأحاديث التي ذكرت فضيلة لموسى أو لِنَبِيٍّ من أنبياء بني إسرائيل من الإسرائيليات، فالحديث مروي عن بضع وعشرين صحابياً ليس فيهم ولا فيمن أخذ عنهم أحد من مُسْلِمَةِ أهل الكتاب، والروايات الواردة فيه متواترة، وقد خرج حديث المعراج البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الكتب المعتمدة من طرق متعددة، ذكر أنَّ مراجعة موسى لنبينا عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ لا تستلزم نفي علم الله جَلَّ شَأْنُهُ، ولذلك سِرٌّ وَحِكْمَةٌ، وهي إظهار رحمة الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - بهذه الأُمَّة وَمِنَّتِهِ عليها بالتخفيف عليها، كما أَنَّ فيها إظهار منزلة النَبِيِّ عند ربه بقبول شفاعته في التخفيف وبيان رأفته ورحمته بأُمَّتِهِ باستماعه إلى مشورة أخيه موسى.

ثم ذكر طَعْن أَبِي رَيَّةَ أيضاً في فضل بيت المقدس وذكر بعضًا منها كحديث: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ:

.... وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى» «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، «هُمْ بِالشَّامِ». وأنها من الإسرائيليات ومن صنع اليد اليهودية.

فرد أبو شُهبة عليه ما ملخصه بأن فضل بيت المقدس لم يثبت بالأحاديث الصحيحة فحسب؟ ولكنه ثبت ثبوتاً قطعياً بالقرآن المتواتر الذي لا يتطرق إليه الشك، وكيف يضع اليهود أحاديث تعلي بنيان أعدائهم وتقوض بيتهم من أساسه؟

ثم ذكر زَعْم أَبِي رَيَّةَ أنَّ فِي الإِسْلاَمِ مَسِيحِيَّاتٌ وَطَعْنهُ فِي تَمِيمِ الدَّارِي وفي قصة الجساسة والدجال ونزول عيسى وغير ذلك» وتَهَكَّمَه على حديث الدجال بقوله «لعل علماء الجغرافيا يبحثون عن هذه الجزيرة ويعرفون أين مكانها من الأرض ثم يخبروننا حتى نرى ما فيها من الغرائب التي حدثنا بها (سيدنا تميم) - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -.

 فرد "أبو شهبة" عليه بأن حديث الجساسة والدجال ونزول عيسى حَدَّثَ به النَّبِي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على المنبر في جمع من الصحابة ولو كان ما حدث به تميم كذبًا لما سكت الوحي عن بيان الحق فيما أخبر به، وهذه الأحاديث مروية في " الصحيحين " وغيرهما من كتب السنن المعتمدة، والجساسة ذكرت في القرآن في قوله تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ}  وهذه الدابة عند كثير من المفسرين هي الجساسة.

ثم ما موضع العجب لأن دابة تتكلم؟ وأي غرابة وهذه الببغاء تحكي ما يقوله الإنسان، أما عن مكانهم فإِنَّ كثيرًا من أقطار البر والبحر ما زالت مجهولة إلى اليوم، ألا يجوز بعد ما رآها تميم وصحبه أَنْ تكون اختفت عن الأنظار وذهبت إلى حيث علم الله سبحانه؟ وكيف نستبعد قدرة الله - عَزَّ شَأْنُهُ - على إنطاق الحيوان؟

ثم ذكر طَعْن أَبِي رَيَّةَ أيضاً فِي حَدِيثِ " الصَّحِيحَيْنِ " أن النَّبِي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبِهِ حِينَ يُولَدُ غَيْرَ، غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ فِي الحِجَابِ». وقال إنه من المسيحيات

ورد أبو شُهبة عليه رداً علمياً بصحة ثبوت الحديث، وأنه استجابة لدعاء أم مريم حيث قالت كما قال الله تعالى: {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} وإظهار النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فضيلة من الفضائل لأحد من إخوانه الأنبياء يدل على غاية السمو المحمدي وليس في ذكر خصوصية لعيسى أو لغيره ما يعود بالنقص على إخوانه الأنبياء ولا يؤثر هذا في أفضلية النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ثم ذكر تَكْذِيب أَبِي رَيَّةَ لأَحَادِيثِ شَقِّ صَدْرِ النَّبِي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومقارنته بينه وبين عملية الصلب للمسيح بأسلوب ساخر.

فرد أبو شُهبة عليه بأنه يريد بذلك أن يتملق جمهور النصارى ولا سيما سادته المُبَشِّرُونَ وَالمُسْتَشْرِقُونَ، واثبت أبو شهبة أن أَحَادِيثُ شَقِّ الصَّدْرِ صَحِيحَةٌ ثَابِتَةٌ.
يتبع

أكاديمية أسس للأبحاث والعلوم