الصوفية رؤية من الداخل (34) تقسيم الدين إلى الحقيقة والشريعة عند الصوفية

الصوفية رؤية من الداخل (34)  تقسيم الدين إلى الحقيقة والشريعة عند الصوفية
الخميس ٠٢ مايو ٢٠٢٤ - ٢٢:١٥ م
303

 الصوفية رؤية من الداخل (34)

 تقسيم الدين إلى الحقيقة والشريعة عند الصوفية

كتبه / إمام خليفة                                

الحمد لله وكفى , وسلام على عباده الذين اصطفى لا سيما عبده المصطفى , وآله المستكملين الشرفا, وبعد..

سوف نتكلم اليوم بإذن الله تعالى عن :  المخالفات العلمية والعملية عند الصُّوفيَّة

وقع المتصوفة في مخالفات علمية وعملية كثيرة والمقصود بالعلمية الأمور النظرية التي اعتنقوها وابتدعوها في العقيدة الإسلامية، وأما الأمور العملية فهي الشعائر التي يمارسونها عمليًا والتي ابتعدوا فيها  أيضًا عن المنهج الإسلامي الصحيح. ولا شك في أن الانحراف في الجانب العلمي لا بُدَّ من أن يتبعه الانحراف في الجانب العملي، فمن انحرف وابتدع في العلم (الاعتقاد) فسوف ينحرف في العمل والسلوك ولا بُدَّ، وكل هذا بسبب الابتعاد عن منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال و التلقي.

أولا- أهم الانحرافات العلمية عند الصُّوفيَّة:

 أ- تقسيم الدين إلى شريعة وحقيقة:

 أهل السنة يعتقدون أن الشريعة هي الحقيقة ولا يمكن أن يكون للشريعة ظاهر يفهمه العوام وباطن يفهمه الأولياء بل الشريعة يتعبد بها العوام والأولياء على حد سواء، أما الصُّوفيَّة فالشريعة - كما يرونها - هي مجموعة الأحكام العملية التكليفية أي ما يسمى (بالفقه الإسلامي) والحقيقة هي ما وراء هذه الأحكام من إشارات وأسرار فالفقهاء يعلمّون الناس أركان الصلاة وسننها والصُّوفيَّة يهتمون بأعمال القلوب من المحبة والخشية. هذا رأي المعتدلين منهم أما غلاتهم فقالوا: إن هذه الأحكام لعوام المسلمين نظرًا لضيق عقولهم وقلوبهم عن استيعاب المعاني العلوية دون الالتزام برسوم وأشكال معينة.

قال شيخ الإسلام: وهؤلاء كلهم يدعون علم الحقيقة ويقولون؛ الحقيقة لون والشريعة لون آخر ويجمعهم شيئان: أن لهم تصرفًا وكشفًا خارجًا عن ما للعامة وأنهم معرضون عن وزن ذلك بالكتاب والسنة وتحكيم الرسول في ذلك؛ وهؤلاء يجعلون أغراضهم التي هي من أعظم الظلم والفساد بل والكفر يجعلون ذلك دينا يدين به أولياء الله عندهم؛ لأن هذه الأمور إنما تحصل لهم بنوع من الزهادة والعبادة؛ ولكن ليس هو الزهد والعبادة التي بعث الله بها رسوله؛ بل يشبهه حال أهل الكتاب والمشركين من عباد الهند والنصارى وأمثالهم.

فالصلاة خمس مرات بشكل وترتيب معين.. هو أشبه ما يكون بالمعلم الذي يلزم الطالب بواجبات مدرسية لما يعلم عنه من عدم الاستفادة من العلم إن لم يعمل بتلك الواجبات، والمقصود هو العلم فإن كان من الخواص الذين يدركون المقصود الأساسي من الشرائع - وهو ما أطلقوا عليه الحقيقة - فقد حصل المقصود وإن لم يلتزم بها.

فالصلاة هي دوام الصلة مع الله فإن استدامت فالحاجة للصلاة تصبح مجرد الوقوف مع الأوامر الشرعية احترامًا لها، وإن كانت غير ذي فائدة، بل إنها انحرفت بعد ذلك عند البعض إلى القول بإسقاط التكاليف لمن أدرك الحقيقة، وقد جرهم ذلك إلى مصطلح آخر وهو الظاهر والباطن وادعوا أن للقرآن ظاهرًا وباطنًا فأما الظاهر هو ما يؤخذ من ألفاظه حسب الفهم العربي، أو السياق، أو غير ذلك من الأصول المرعية في التفسير، ويسمونهم علماء الرسوم زراية بهم، والباطن هو العلم الحق وراء تلك الألفاظ، وهو المراد الحقيقي، ولهذا لا يطلع عليه إِلَّا الخواص من أصحاب المقامات السامية، ويطلقون عليه (علم الإشارات).

يقول ابن عربي: إن الذي أنكره علماء الرسوم على علماء الحقائق هو بعينه لو ظهر لعلماء الحقائق من أنفسهم لأنكروه، والذي اعترفت به علماء الحقائق وجهلوا فيه علماء الرسوم لو ظهر بعينه لعلماء الرسوم لآمنوا به وأذعنوا له من غير شك ولا تردد وكيف، وهو ما تقوله علماء الرسوم بعينه. فعلماء الرسوم جهال بالنسبة إلى علماء الحقيقة على حد زعم ابن عربي.

هل للولي طريق لا يحتاج فيه إلى محمد ؟  قال شيخ الإسلام: ومن ادعى أن من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد ، من له طريق إلى الله لا يحتاج فيه إلى محمد، فهذا كافر ملحد، وإذا قال: أنا محتاج إلى محمد في علم الظاهر، دون علم الباطن، أو في علم الشريعة، دون علم الحقيقة، فهو شر من اليهود والنصارى الذين قالوا: إن محمدا رسول إلى الأميين دون أهل الكتاب.

وهذا راجع في الحقيقة لاعتقادهم أنهم يدعون أن الولاية أفضل من النبوة، ويلبسون على الناس، فيقولون: ولايته أفضل من نبوته، وينشدون:

مقام النبوة في برزخ



 

 فويق الرسول ودون الولي



ويقولون: نحن شاركناه في ولايته التي هي أعظم من رسالته، فإنه أخذ العلم من حيث يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول، وهذا العلم هو علم الباطن والحقيقة هو فيه فوق الرسول لِأَنَّهُ يأخذه من حيث يأخذ الملك الذي يوحي به إلى الرسول، والرسول يأخذه من الملك، وهو أخذه من فوق الملك، من حيث يأخذه الملك (أي من الله بلا واسطة وهو بذلك  يسبق النبي لأن النبي يأخذ من الملك )وهذا من أعظم ضلالهم، فإن ولاية محمد لم يماثله فيها أحد، لا إبراهيم ولا موسى، فضلاً عن أن يماثله فيها هؤلاء الملحدون.

التفسير الباطني للنصوص:

ومن أعظم مخاطر الفكر الصوفي كذلك فتحهم باب للتفسير الباطني لنصوص القرآن والسنة، والحق أنه لا يكاد يوجد آية أو حديث إِلَّا وللمتصوفة الزنادقة تأويلات باطنية خبيثة لها.

وَقَدْ جمع أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي فِي تفسير القرآن من كلامهم الذي أكثره هذيان لا يحل نحو مجلدين سماها حقائق التفسير فَقَالَ فِي فاتحة الْكِتَاب عنهم أنهم قالوا إنما سميت فاتحة الْكِتَاب؛ لِأَنَّهُا أوائل مَا فاتحناك به من خطابنا فَإِن تأدبت بذلك وإلا حرمت لطائف مَا بعد. قال ابن الجوزي: وهذا قبيح؛ لِأنَّهُ لا يختلف المفسرون أن الفاتحة ليست من أول مَا نزل وقال فِي قول الإنسان آمين أي قاصدون نحوك.

أمثلة:

1- يسأل أحدهم عن قيمة الزكاة فيجيب: أما على العوام فربع العشر وأما نحن فيجب علينا بذل الجميع.

 >وإذا وقع خلاف في مسألة بين علماء الشرع وبقيت غامضة، فالقول فيها ما يقوله علماء الباطن أهل التَّصَوُّف<.

 2- وفي تفسير قوله -تعالى-: {وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44].

 قال الغزالي: >فهذا الفن  أيضًا مما يتفاوت أرباب الظواهر وأرباب البصائر في علمه وتظهر به مفارقة الباطن للظاهر< .

 وقد انتقد ابن الجوزي هذا التقسيم فقال: >وهذا قبيح؛ لأنَّ الشريعة مَا وضعه الحق لمصالح الخلق فما الحقيقة بعدها سوى مَا وقع فِي النفوس من إلقاء الشياطين، وكل من رام الحقيقة فِي غير الشريعة فمغرور مخدوع وإن سمعوا أحدًا يروي حديثًا قالوا: مساكين أخذوا علمهم ميتًا عَنْ ميت وأخذنا علمنا عَنِ الحي الذي لا يموت، فمن قَالَ: حَدَّثَنِي أبي عَنْ جدي، قلت: حَدَّثَنِي قلبي عَنْ ربي فهلكوا وأهلكوا بهذه الخرافات قلوب الأغماز.

كما أنَّ هذه التفرقة بين الظاهر والباطن أدَّت بهم في موضع التفسير إلى تأويل الآيات وتحريفها تحريفًا شنيعًا وهذا التأويل المذموم حاولت كل الفرق الضالة الباطنية أن تجد له نصيرًا من كتاب الله يتناسب وأهواءها؛ ولذلك ضبط علم التفسير عند أهل السنة بـ (أصول التفسير) حتى لا يتحول الأمر إلى فوضى لا نهاية لها.

3- ففي تفسير آية { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي } [الأنعام: 76].

قال صاحب منازل السائرين: > أنه لشدة عطشه إلى لقاء محبوبه - لما رأى الكوكب - قال: هذا ربي. فإن العطشان إذا رأى السراب ذكر به الماء. فاشتد عطشه إليه< .

وتعقبه ابن قيم الجوزية بقوله: >وهذا ليس معنى الآية قطعًا، وإنما القوم مولعون بالإشارات. وإلا فالآية قد قيل: إنها على تقدير الاستفهام. أي أهذا ربي؟، وليس بشيء. وقيل: إنها على وجه إقامة الحجة على قومه. فتصور بصورة الموافق، ليكون أدعى إلى القبول. ثم توسل بصورة الموافقة إلى إعلامهم بأنه لا يجوز أن يكون المعبود ناقصًا آفلا. فإن المعبود الحق: لا يجوز أن يغيب عن عابديه وخلقه ويأفل عنهم. فإن ذلك مناف لربوبيته لهم. أو أنه انتقل من مراتب الاستدلال على المعبود حتى أوصله الدليل إلى الذي فطر السماوات والأرض. فوجه إليه وجهه حنيفا موحدا، مقبلا عليه، معرضا عما سواه.

4- وقوله تعالى{ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ }[طه: 12] قال أبو يزيد البسطامي: >أي صورتك الظاهرة والباطنة يعني جسمك وروحك فلا تنظر إليها؛ لِأَنَّهُا نعلاك< وقال القشيري: تفريغ القلب من حديث الدارين، والتجرد للحق بنعت الإنفراد.

5- وقوله تعالى: { وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى } [البقرة: 85]قال أبو عثمان: غرقى في الذنوب.

وقال الواسطي: غرقى فِي رؤية أفعالهم. وقال الجنيد: أسارى فِي أسباب الدنيا تفدوهم إِلَى قطع العلائق.

قال ابن الجوزي: >وإنَّما الآية عَلَى وجه الإنكار ومعناها إذا أسرتموهم فديتموهم وإذا حاربتموهم قتلتموهم وهؤلاء فسروها على ما يوجب المدح<.

6-(والجار ذي القربى) قال سهل: هو القلب، (والجار الجنب) النفس، (وابن السبيل) الجوارح.

وأما سبب التجاء المتصوفة إلى علم الباطن، ومنه إلى التأويل هو أن الصُّوفيَّة لم يجدوا في القرآن والسنة ما يمكن أن يكون سندًا لهم على منهجهم ومسلكهم، ودليلًا على طرقهم التي اختاروها، والمناهج التي اخترعوها للوصول إلى الله، والحصول على معرفته ورضائه، فالتجأوا إلى علم الباطن والتأويل الباطني.

كما قال نيكلسون وهو أحد المستشرقين : (لا يمكن أن يكون القرآن أساسًا لأي مذهب صوفي، ومع ذلك استطاع الصُّوفيَّة متبعين في ذلك الشيعة أن يبرهنوا بطريقة التأويل نصوص الكتاب والسنة معنى باطنًا لا يكشفه الله إِلَّا للخاصة من عباده الذين تشرق هذه المعاني في قلوبهم في أوقات جدهم.

ومن هنا نستطيع أن نتصور كيف سهل على الصُّوفيَّة بعد سلموا بهذا المبدأ أن يجدوا دليلاً من القرآن لكل قول من أقوالهم ونظرية من نظرياتهم أيا كانت، وأن يقولوا إن التَّصَوُّف ليس في الحقيقة إِلَّا العلم الباطن. ويلزم من هذا المبدأ  أيضًا أن تأويل الصُّوفيَّة لتعاليم الإسلام قد يأتي على أنحاء وأشكال لا حصر لعددها، وربما أدى إلى تناقض في العبادات والمسائل العلمية. وكل ذلك مفروض صدقه في النوع لا في الدرجة؛ لأنَّ معاني القرآن لا حصر لها، وهي تنكشف لكل صوفي بحسب ما منحه الله من الاستعداد الروحي، ولهذا لم تتألف من الصُّوفيَّة فرقة خاصة، ولا كان لهم مذهب محدد يصح أن نسميه مذهب التَّصَوُّف. بل إن التعريفات العديدة التي وضعت كتعريف للفظ التَّصَوُّف نفسه لتدل على تعدد وجوه النظر في فهم معناه.

كذلك الحال في موقف الصُّوفيَّة من الشريعة، فإن هذا الموقف يختلف بحسب حال كل صوفي، ولذلك تجد بعضهم قد قام بشعائر الدين بكل دقة على الرغم من أنَّهم كانوا يعتبرون أن صور العبادات ليس لها من القيمة ما لأعمال القلوب، أو أنها لا قيمة لها البتة إِلَّا من حيث دلالتها على الحقائق الروحية. فالحج مثلاً رمز للبعد عن المعاصي، والإحرام خلع الشهوات والملذات مع خلع الثياب، وهذا الأسلوب من البحث أسلوب معروف عند الإسماعيلية الباطنية، والظاهر أن الصُّوفيَّة أخذوه عنهم.

إلى هنا ينتهي حديثنا حول تقسيم الدين إلى شريعة وحقيقة عند الصوفية.

 

 

أكاديمية أسس للأبحاث والعلوم