الصوفية رؤية من الداخل (33) بدعة المولد

الصوفية رؤية من الداخل (33)  بدعة المولد
الاثنين ٠٨ يناير ٢٠٢٤ - ١٢:٠٠ م
102

 الصوفية رؤية من الداخل (33)  بدعة المولد

    كتبه / إمام خليفه                                

الحمد لله وكفى , وسلام على عباده الذين اصطفى لا سيما عبده      المصطفى , وآله المستكملين الشرفا, وبعد..

سوف نكمل الكلام اليوم بإذن الله تعالى عن :  أثر الديانات والمذاهب الأخرى في الصُّوفيَّة ونتكلم ثالثاً : عن أثر الفكر الشيعي في الصُّوفيَّة:-

بدعة الموالد

وينقلنا الحديث من الكلام على بدعة عبادة القبور وبناء المشاهد عليها إلى بدعة أخرى، وهي (الموالد)، وهذا ناتج عن تأثر الصُّوفيَّة بالنصرانية والشيعة وغيرهم، ولا يوجد في دين الله D ما يعرف بالموالد، حتى مولد النَّبِي صلى الله عليه وسلماختلف فيه أهل السير، وكذلك الصحابة والتابعين وغيرهم.

وتعدُّ الموالد من أهم الآفات التي لحقت بالتصوف الإسلامي مؤخرًا، ومن أعظم البدع التي ابتدعها غلاة الصُّوفيَّة وأدعيائهم. إن أمة الإسلام مضت قرونها الثلاثة الأولى لم تعرف هذه البدعة، ولا احتُفل فيها بها، وهي القرون التي زكاها النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر أن الخلاف والبدع تكون بعدها. وهذا من علاماتِ نبوته؛ إذ وقع ذلك كما أخبر به - عليه الصلاة والسلام - ففي القرن الرابع الهجري ظهر بنو عبيد، المتسمَّوْن زورًا بالفاطميين؛ انتسابًا إلى فاطمة بنت محمد - عليه الصلاة والسـلام - ورضي الله عنها وأرضاها.ومن ثم خرجوا على الخلافة العباسية، وأقاموا الدولة الفاطمية في مصر والشام. ولم يرتضِ المسلمون في مصر والشام سيرتهم في الحكم، وطريقتهم في إدارة شؤون الناس؛ فخاف بنو عبيد من ثورة الناس عليهم، فحاولوا استمالة قلوبهم، وكسب عواطفهم بإحداث الاحتفالات البدعية، فاخترع حاكمهم آنذاك المعز لدين الله العبيدي: مولد النبي صلى الله عليه وسلم وموالد لفاطمة وعلي والحسن والحسين ولجماعة من سلالة آل البيت رضي الله عنهم وأرضاهم.

وتتابعت في دولتهم احتفالات أخرى اخترعوها، لم تكن من قبلُ في الإسلام؛ كالاحتفال بالهجرة، ورأس السنة الهجرية، وليلة الإسراء والمعراج، وغيرها كثير.وظلت هذه الموالد عند بني عبيد في مصر وبعض الشام، إلى أن انتهت دولتهم، وورثها مَن كانوا بعدهم، ولا يعرفها بقية المسلمين في شتى البقاع؛ بل أنكروها ولم يقبلوها حتى نهاية القرن السادس؛ ثم في أوائل القرن السابع انتقلت عدوى هذه الاحتفالات من مصر إلى أهل إربل في العراق، نقلها شيخ صوفي يدعى الملا عمر، وأقنع بها ملك إربل في العراق أبا سعيد كوكبري ثم انتشرت بعد ذلك في سائر بلدان المسلمين، بسبب الجهل والتقليد الأعمى، حتى وصلت إلى ما تشاهدونه في العصر الحاضر. يقول صاحب كتاب (الإبداع في مضار الابتداع): أول من أحدثها - يقصد الموالد - بالقاهرة الخلفاء الفاطميون في القرن الرَّابع، فابتدعوا ستة موالد المولد النبوي ومولد الإمام علي I، ومولد السيدة فاطمة الزهراء J، ومولد الحسن والحسينL، ومولد الخليفة الحاضر، وبقيت هذه الموالد على رسومها إلى أن أبطلها الأفضل ابن أمير الجيوش، ثُمَّ أعيدت في خلافة الآمر بأحكام الله في سنة أربع وعشرين وخمسمائة بعدما كاد الناس ينسونها، وأول من أحدث المولد النبوي بمدينة إربل الملك المظفر أبو سعيد في القرن السَّابع، وقد استمر العمل بالموالد إلى يومنا هذا، وتوسع الناس فيها وابتدعوا بكل ما تهواه أنفسهم وتوحيه إليهم شياطين الإنس والجن..

إذًا كان الهدف الرئيس من إحداث الموالد هدفًا سياسيًّا لتثبيت حكم بني عبيد، ولم يكن لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم ولا لمحبة آل بيته فيه أي نصيب.وهذا الحكم يتبين بمعرفة حقيقة دولة بني عبيد، والاطلاع على شيء من سيرة المعز العبيدي الذي أحدث هذه الموالد.فأما بنو عبيد فهم من ذرية عبدالله بن ميمون القداح المعروفِ بالكفر والنفاق والضلال، والمشهور بعداوته لأهل الإيمان، ومعاونته لأهل الكفر والعدوان، ومن ذريته كان حكامُ بني عبيد، الذين ظهروا في مصر في القرن الرابع الهجري وما بعده.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيهم: "وهؤلاء القوم تشهد عليهم الأمة وأئمتها أنهم كانوا ملحدين زنادقة، يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وجمهور الأمة تطعن في نسبهم، ويذكرون أنهم من أولاد اليهود أو المجوس، وهم يدّعون علم الباطن، الذي مضمونه الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعندهم: لا جنة ولا نار ولا بعث ولا نشـور... ويستهينون باسم الله ورسوله، حتى يكتب أحدهم (الله) في أسفلِ نعله سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا".

وأما المعز الذي أحدث هذه الموالد فكان له سيرة سيئة؛ إذ قرّب اليهود والنصارى، وأقصى المسلمين، وحرّف الأذان الشرعي فهو أول من دعى بالأذان بحي على خير العمل، ويكفي في بيان حقيقته أن الشاعر ابن هانئ الأندلسي مدحه فقال فيه:

مَا شِئْتَ لاَ مَا شَاءَتِ الأَقْدَارُ ♦♦♦ فَاحْكُمْ فَأَنْتَ الوَاحِدُ الْقَهَّارُ

نعوذ بالله من الكفر والضلال. فهل يشك عاقل في حقيقة هذا الرجل وحقيقة دولته الباطنية؟! وهل يمكن أن يقال: إن دوافع إحداث هذه الموالد كان محبة النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته آل بيته ومن قِبَلِ مَنْ؟! مِن قِبَلِ قومٍ كانوا يظهرون محبة آل البيت ويبطنون العقائد الفاسدة، ويمالئون أهل الكفر على أهل الإسلام، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟!.إن هذه الاحتفالات لا تنفع الإسلام شيئًا؛ بل ضررها ظاهر على المسلمين، وأكبر دليل على ذلك دعم الكفار والمنافقين لها بقصد هدم الشريعة، وتغيير معالم الملة، وتشويه صورة الإسلام، وحصره في مظاهر أولئك الدراويش، الذين يتراقصون ويتمايلون في احتفالات المولد، ويوضح حقيقة ذلك ما ذكره المؤرخ الجبرتي في أخبار مصر من أن القائد الفرنسي نابليون - إبان استعماره لمصر - أمر الشيخ البكري بإقامة الاحتفال بالمولد، وأعطاه ثلاثمائة ريال فرنسي لأجل ذلك، وأمره بتعليق الزينات؛ بل إن نابليون حضر المولد بنفسه، واحتفل به مع المسلمين!! ولا يخفى علينا ما يحدث في تلك الموالد أو ما يسمونها احتفالات من أمور مخالفة للدين كخروج النساء متبرجات واختلاطهن بالرجال، وصحبة الأحداث، والاستغاثة بالأموات وإضاءة الشموع والمصابيح حول الأضرحة، وقراءة القرآن على غير الوجه المشروع.

نتيجة:

يتبين لنا مما سبق من مصادر التلقي عند الصُّوفيَّة أن ما وقعوا فيه من ضلال هو بسبب عدم اعتماد الوحيين مصدرًا للتلقي دون أن يزاحمهما ذوق ولا وجد ولا إلهام. ومما زاد من ضلالهم وبعدهم عن الدين أن هذه المصادر قطعية الدلالة وما خالفها أوَّلوه أو حرَّفوه أو بدَّلوه أو ردوه.

إلى هنا ينتهي حديثنا حول الجزء الثالث من أثر الفكر الشيعي في الصُّوفيَّة (بدعة الموالد).

 

 

أكاديمية أسس للأبحاث والعلوم

الكلمات الدلالية