الصوفية رؤية من الداخل (32) تقديس القبور وزيارة المشاهد عند الصوفية

الصوفية رؤية من الداخل (32) تقديس القبور وزيارة المشاهد عند الصوفية
الخميس ٠٤ يناير ٢٠٢٤ - ١٢:٠٠ م
94

 الصوفية رؤية من الداخل (32) تقديس القبور وزيارة المشاهد عند الصوفية

كتبه / إمام خليفه                                

الحمد لله وكفى , وسلام على عباده الذين اصطفى لا سيما عبده      المصطفى , وآله المستكملين الشرفا, وبعد..

سوف نكمل الكلام اليوم بإذن الله تعالى عن :  أثر الديانات والمذاهب الأخرى في الصُّوفيَّة ونتكلم ثالثاً : عن أثر الفكر الشيعي في الصُّوفيَّة:-

 

الجزء الثاني:-

 

تقديس القبور وزيارة المشاهد

 

كذلك من الأمور التي تبين العلاقة الوثيقة بين الشيعة والصُّوفيَّة أن تقديس القبور وزيارة المشاهد تقديس شيعي في نشأته، فالشيعة هم أول من بنى المشاهد على القبور والمساجد عليها في الإسلام بعد أن جاء النَّبِيصلى الله عليه وسلم بهدم ذلك؛ حتى لا تكون ذريعة إلى الشرك، كما قال صلى الله عليه وسلم: « لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، وفي صحيح مسلم «أن علي بن أبي طالب I أرسل أبا الهياج الأسدي إلى اليمن وقال له: أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ لَا أَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا(أي: ظاهرًا بارزًا عاليًا عن الأرض) إِلَّا سَوَّيْتُهُ وَلَا تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتُهُ ».

لكن الشيعة تتبعوا قبور من مات قديمًا ممن يعظمونهم من آل البيت كعلي بن أبي طالب والحسين ومن سموهم بالأئمة من أهل البيت وراحوا يبنون على قبورهم. ويجعلونها مشاهد ومزارات، وجعلوا ذلك  أيضًا وسيلة للتكسب والعيش. وجعلوا شعارهم لزوم المشاهد وزيارة القبور.

وكان هذا البناء وإظهار هذه الشعائر منذ بداية القرن الثَّالث الهجري، ولكن بعض خلفاء بني العباس شرعوا يهدمون ما افتروه وبنوه من هذه القبور.

وجاء الصُّوفيَّة فنسجوا على هذا المنوال فجعلوا أهم مشاعرهم زيارة القبور وبناء الأضرحة، والطواف بها والتبرك بأحجارها، والاستغاثة بالأموات، فقد جعلوا قبر معروف الكرخي، وهو رائد من رواد التَّصَوُّف، مكانًا لزيارتهم وقالوا: قبر معروف ترياق مجرب.

بل جعل المتصوفة جل همهم بناء هذه القبور وتعظيمها ودعوة الناس إليها، وجعلوا أعظم مشاعرهم الطواف بها، والتبرك بها ودعاؤها من دون الله D. بل لا يوجد شيخ متبع إِلَّا وبنى لنفسه قبة كبيرة ومقامًا. وهكذا أعادوا من جديد شرك الجاهلية الأولى والقبر الأوَّل الذي يحظى بحج الجماهير في دمشق وهو القبر المنسوب إلى السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب L ما زال مكتوبًا عليه إلى الآن: قام بعمارة البناية الضخمة عليه والمسجد حولها والقبة المزخرفة: محمد بن حسين نظام وأولاده من طائفة الشيعة.

 و أيضًا فإن أصحاب الأضرحة الكبرى ممن ينسب إلى التَّصَوُّف هم في الحقيقة من غلاة الشيعة الباطنية؛ حيث (من العراق انطلق أحد أتباع الرفاعي إلى مصر، وهو (أبو الفتح الواسطي) (جد إبراهيم الدسوقي) لنشر دعوتهم الباطنية بها، وقد كان ذلك في العهد الأيوبي، وبعد موت الواسطي جاء (البدوي) ليخلفه في دعوته تلك، وقد توزع هؤلاء الدعاة في مصر، فكان (الدسوقي) بدسوق و(أبو الحسن الشاذلي) بالإسكندرية، و(أبو الفتح الواسطي) ما بين القاهرة وطنطا والإسكندرية، ولما مات الواسطي حل محله البدوي بطنطا، وجميعهم من فلول العبيديين الذين طردهم صلاح الدين الأيوبي من مصر، ثُمَّ حاولوا العودة تحت ستار التَّصَوُّف والزهد.

وفي أواخر عهدهم أنشأ الفاطميون المشهد الحسيني (عام 550هـ) عندما شعروا بأن سلطتهم قد ضعفت ليجذبوا إليهم المصريين، وعهدوا إلى ابن مرزوق القرشي (564هـ )تربية مريدي الصُّوفيَّة، فانتظم أتباعه في طوائف وطرق لنشر الدعوة الشيعية؛ غير أنَّ هذه التنظيمات انهارت بانهيار الدولة الفاطمية وتحول المشهد الحسيني إلى (ضريح صوفي) ومع تمكن الداء من جسد الأمة ظهرت (الحاجة) إلى تعدد الأضرحة والمزارات لتلبي رغبات من صرعتهم الأوهام، وظهر ما يعرف بأضرحة الرؤيا، فإذا رأى ولي من أولياء الله الصالحين في منامه رؤيا مؤدَّاها أن يقيم مسجدًا أو ضريحًا لأحد من أهل البيت أو الولي المسمى في الرؤيا فكان عليه أن يقيم الضريح أو المسجد باسمه وعلى ذلك لا يلزم أن يكون الولي المقام الضريح باسمه ثبت وجوده في ذلك المكان، بل لا يلزم أن يكون وطئت قدمه أرض تلك البلاد أصلًا، ومن هنا ظهرت أضرحة مزعومة ومكذوبة في طول البلاد وعرضها، وتعددت الأضرحة للولي الواحد في أكثر من قُطْر، ولتسويغ ذلك الخطل نسجوا خرافة واضحة الزور والبهتان، فقالوا: إن الأرض لأجسام الأولياء كالماء للسمك، فيظهرون بأماكن متعددة ويزار كل مكان قيل عنه إنه فيه نبي كريم أو ولي عظيم.

 

بين الحقيقة والوهم:

 >وإذا كان ذكر أسماء الأضرحة المشهورة في العالم الإسلامي قد يشق على المتابع فسنذكر هنا طرفًا من الأضرحة المكذوبة والمشكوك في نسبتها: فضريح الحسين بالقاهرة< كَذِبٌ مختلق بلا نزاع بين العلماء المعروفين عند أهل العلم، الذين يرجع إليهم المسلمون في مثل ذلك لعلمهم وصدقهم >وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية V عن المشهد المنسوب إلى الحسين I بمدينة القاهرة: هل هو صحيح أم لا؟ فأجاب: بل المشهد المنسوب إلى الحسين بن علي L الذي بالقاهرة كذب مختلق بلا نزاع بين العلماء المعروفين عند أهل العلم الذين يرجع إليهم المسلمون في مثل ذلك لعلمهم وصدقهم. ولا يعرف عن عالم مسمى معروف بعلم وصدق أنه قال: إن هذا المشهد صحيح. وإنما يذكره بعض الناس قولا عمن لا يعرف على عادة من يحكي مقالات الرافضة وأمثالهم من أهل الكذب. فإنهم ينقلون أحاديث وحكايات ويذكرون مذاهب ومقالات. وإذا طالبتهم بمن قال ذلك ونقله؟  لم يكن لهم عصمة يرجعون إليها. ولم يسمون أحدًا معروفًا بالصدق في نقله ولا بالعلم في قوله؛ بل غاية ما يعتمدون عليه: أن يقولوا: أجمعت الطائفة الحقة. وهم عند أنفسهم الطائفة الحقة الذين هم عند أنفسهم المؤمنون وسائر الأمة سواهم كفار.

وماذا بعد؟ ولم يقف الأمر عند حد نسبة القبور زورًا إلى شخصيات لها نصيبها من الحب والاحترام لدى الناس، بل وصل الادعاء إلى اختلاق بعض هذه الشخصيات من الوهم والعدم ونسبة الأضرحة إليها، فمن ذلك: قبر في طريق بلدة (طورخال) بتركيا لصحابي أسموه (كيسك باش)! (وفي معرة النعمان ضريح لرجل يُدعَى عطا الله) يزعمون أنه صحابي  أيضًا وذكر المقريزي أن في القاهرة قبرًا على يسرة من خرج من باب الحديد ظاهر زويلة، يزعمون أنه لصحابي يُدعَى: زارع النوى! وفي مدينة الشهداء بمصر ضريح داخل مسجد منسوب إلى (شبل) بن  الفضل بن العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم، رغم أن المصادر العلمية تتفق على أن الفضل بن العباس I لم ينجب إِلَّا بنتًا واحدة اسمها (أم كلثوم).

 وأخيرًا: فإننا ربما لا ننتهي إذا حاولنا استقصاء حقيقة القبور والأضرحة المنتشرة في أنحاء العالم الإسلامي، والتي على فرض ثبوت صحة نسبتها فإن إقامة المساجد عليها وممارسة الأفعال التي اعتاد الناس على القيام بها حولها. ليس من دين الله في شيء، بل يقع معظمه في دائرة المحرَّمات بدرجاته المختلفة، ومنها ما قد يصل إلى حد الشرك المخرج من الملة.

وفي النهاية لا بُدَّ من أن نعلم أن بدعة اتخاذ المشاهد وتشييدها وتعظيمها وبناء المشاهد عليها لم تكن معروفة في زمن الصحابة والتابعين ﮒ، إذ إنها لو كانت معروفة عندهم لانتشرت في عصرهم، ولكنَّا مأمورون باتباعهم والاقتداء بهم في ذلك وخاصة أن النَّبِي -صلوات ربي وسلامه عليه- لم يترك بعده في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق I، وعمر I وعثمان وعلي، وسائر الصحابة ﮒ، لم يثبت من طريق صحيح أن أحدًا تبرك بواحد من الصحابة أو التابعين ﮒ، ومن ثمَّ فالراجح أن زنادقة القرامطة هم أول من ابتدع فكرة تشييد المشاهد وتعظيمها، فاختلقوا الكثير من الأحاديث المكذوبة التي تؤيد زيارة المشاهد والصلاة عندها، وهم يبغون من وراء ذلك كله القضاء على الإسلام وتقويض دعائمه. وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية< ما نصه: لم يكن في العصور المفضلة - يقصد عصور الصحابة والتابعين - مشاهد على القبور، وإنَّما ظهر ذلك وكثر في دولة بني بويه، لما ظهرت القرامطة بأرض المشرق والمغرب، وكان بهم زنادقة كفار مقصودهم تبديل دين الإسلام، وكان في بني بويه من الموافقة لهم على بعض ذلك، ومن بدع الجهمية والمعتزلة والرافضة ما هو معروف لأهل العلم فبنوا المشاهد المكذوبة كمشهد علىI وأمثاله، وصنف أهل القرية الأحاديث في زيارة المشاهد والصلاة عندها والدعاء عندها وما يشبه ذلك، فصار هؤلاء الزنادقة وأهل البدع والمتبعون لهم يعظمون المشاهد ويهينون المساجد، وذلك ضد دين المسلمين. ولا يخفى علينا ما ينشأ عن هذه البدعة من الشرور والمفاسد، ومن ثمَّ فقد ورد النهي عنها صريحًا، فقد نهى الرسول H عن أن تشد الرحال إلى القبور، فقد روي عن أبي هريرة I عن النَّبِي Hقال: « لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ».

ففي هذا الحديث نهي صريح عن شد الرحال للتبرك بمكان معين غير هذه الأماكن التي حددها في الحديث، فإن الأجر فيها مضاعف والثواب كبير، وهذا هو التبرك المشروع وليس التبرك الممنوع الذي يقصد به التمسح بجدران المساجد، وتقبيل أعمدتها والتمرغ بترابها، فهذا منهي عنه؛ سدًا لذرائع الشرك وعبادة الأوثان.

 

إلى هنا ينتهي حديثنا حول الجزء الثاني من أثر الفكر الشيعي في الصُّوفيَّة (تقديس القبور وزيارة المشاهد) ونكمل حديثنا في المرة القادمة حول الجزء الثالث من أثر الفكر الشيعي في الصُّوفيَّة (بدعة الموالد).

 

 

أكاديمية أسس للأبحاث والعلوم

الكلمات الدلالية